Thursday, March 26, 2009







سوق الخميس في ثوبه الجديد
تغير المكان.. والزبون واحد

كتبت : هدى زكريا – إشراق احمد

على بعد كيلو مترات من محطة المطرية اذا كنت من راكبى مترو الانفاق وباستقلالك عربتى اجرة ،تجد نفسك أمام مكان نجح ان يجمع كل مالذ وطاب ،قد يكون هو يوم التنزهه بالنسبة لك فتذهب لشراء ماتشاء ولكنه يوم الرزق للعديد ،اناس تستيقظ من الخامسة صباحا لتتسابق فى رص بضائعها .. كلا منهم له حيله وطرقه المختلفة لجذب زبائنه من الممكن ان تكون منافسة الاسعار احدى تلك الطرق او يكون الصياح والفقرات الغنائية التى تقدم باستخدام الميكرفونات والطبول وسيلة جديدة تجعلك تتدافع عليهم ...
سوق الخميس أحد أسواق اليوم الواحد فى مصر حيث تتداخل الأصوات يصدر صوت ينجح فى كسر رتابة الحركة ( أتفرج يا حضرت ....) ، يجذب الفضول بعض المارة إليه ، وفي ثوان يلتفوا حوله حتى انك لا تستطيع أن ترى ماذا يحدث داخل هذه الدائرة من جموع المارين ولكنك لا تزال تسمع صوت ( أتفرج يا حضرت....) ، بمجرد هذا الالتفاف يبدأ صاحب الصوت في العرض، قد تظن أنه حاوي أو أحد ملوك فن الخدع البصرية ، ولكن بمجرد أن تنظر إلى ما بيده تكتشف مهنته ، بإحدى يديه يمسك ثمرة مقشرة من البطاطس ، وبالأخرى أداة معدنية لا يتجاوز ارتفاعها القلم وبحركة سريعة يبدأ في تقطيع ثمرة البطاطس إلى حلاقات بالطول والعرض أو إلى قطع صغيرة جدا ثم يأتي بأداة حلزونية صغيرة وبها يد لتسهيل إدارتها من الصندوق الكرتوني المليء أمامه بتلك الأدوات، ويقوم بتثبيت الثمرة وإدارة الأداة عليها لتخرج في النهاية حلقات متصلة بشكل معين ويقول ( كل الأدوات دي بجنيه وأنت الكسبان ... أتفرج يا حضرت ).



بوابة الدخول كما يسميها المترددين على السوق هي بداية طريق يضيق كلما توغلت إلى الداخل ،و يتفرع منه اتجاهات كثيرة ، ولكن إذا جاءت ساعات الذروة ولم تكن لديك قوة المقاومة سوف يضطرك بحر المارين إلى تجاهل هذه الاتجاهات والسير في طريق مستقيم ، يبدأ ببائعي الأقمشة والستائر مرورا بالملابس المعروضة على شماعات على يمينك ويسارك وفوقك ، فى تلك المساحة التى لا تتعدى الثلاثة امتار عرضا تجد الأسماك بجوار الحلوى والأدوات البلاستيكية بجوار الملابس ، لا يوجد مكان يخلو من " فرشة " لأي بضاعة أو من موضع لشمسية تحمي البضاعة وصاحبها من أشعة الشمس الشديدة ، ولا مكان يخلو من قدم مشتري الذي غالبا ما يكون من محدودي الدخل أو أقل من ذلك( معدومي الدخل ) الذين يتوافدون على السوق لشراء احتياجاتهم من ملابس وغيرها أو ربما احتياجات االزواج التي يكون النصيب الأكبر منها لصالح بائعي الأقمشة والمفروشات والأدوات البلاستيكية وغيرها ، كل بائع هنا له نقطة تفرده وزبائنه التى تاتى اليه من ابعد مكان فهذا متخصص فى بيع الاسماك المملحة وهذا فى بيع الستائر اما هذا الذى تجاوز الثلاثين لا يبيع سوى المنسوجات القطنية وهذه الخمسينية التى تجلس فى اقصى اليمين وتصيح امتعاضا " الجلابية ب 75 جنيه ومن غير فصال " تلك السيدة التى تنبعث منها رائحة الشقاء والتعب ولا تقدر ساقيها على حملها لا يتوقف فوها عن الاستغفار والدعاء بان يرحمها الله مماهى فيه لا يحميها من اشعة الشمس سوى قطعة قماش تضعها حول راسها وعلى كتفيها لتجفف بها دموعها التى قد تتساقط رغما عنها من شدة ضيقها .. "كل حاجة ما بقتش زى الأول ، يعني السوق الأول كان عن مستشفى المطرية ولما اشتكت المستشفى ، الحي نقلنا هنا، السوق زمان كان جميل ، البياعين والزباين، الحي ياخد مننا "كارته" حسب الفرش من 10.5الى 50جنيه في الشهر دا غير إيجار الفرشة دا غير البلطجية "



" أم وليد" تستيقظ فجرا حاملة بضاعتها لاماكن رزقها المختلفة فيوم الاحد يكون موعدها مع اسواق شبرا الخيمة والاثنين تسافر الى بنها اما الثلاثاء تقضيه فى سوق المرج والاربعاء تتجول فى اسواق بورسعيد لتنتقى لزبائنها افضل ما ترى ليأتى الخميس وتجلس فى هذا العالم وتفترش بضائع أول الأسبوع وهكذا تمر أيامها ...

هناك لا تنجذب فقط للبضائع المعروضة أو الأطعمة المكشوفة بل قد تاخذك اقدام المترددين داخل السوق لتلتف حول بائع او بائعة مثل تلك الفتاة العشرينية التى انتصب امامها جمع من الاطفال والاهالى تفصل بينها وبينهم اكياس كبيرة بها مقرمشات برتقالية واطعمة بنية اللون وحلوى اطفال تباع فى الاسواق ب 4 جنيهات هى ايضا هنا لها زبائنها وتباع لهم ب 75 قرش فقط لتجذب اكبر عدد من المحتاجين الذين لا يعبئون بقراءة تاريخ الانتاج والانتهاء فقط يريدون اسعاد ابنائهم " عارفين انها بواقى مصانع بس نعمل اية الحاجة برة سعرها نار , انا جربت مرة واتنين وبعدين انا باكل قبل ولادى وعايزين اى حاجة تفرح العيال "



زاد التعب ام وليد حبا فى الحياة وكل يوم يمر تتذكر فيه الافواه المفتوحة منتظرة لقمة العيش التى تعود بها كل مساء استطاع ابنائها من خلال عملها وتنقلها ان يكملوا تعليمهم ويتخرج احدهم من كلية تربية قسم اللغة الانجليزية واخرى من كلية اداب قسم اعلام اما الاصغر فهو فى المرحلة الثانوية ومازالت تحلم بالتحاقه باحدى كليات القمة وعندما اراد الله ان يختبر قوة صبرها وجدها حامدة شاكرة فلم تكتف بالانفاق على اولادها الثلاثة بل اصبحت بين يوما وليلة مسئولة عن اختها المريضة بالقلب واطفالها " ضميت دول على دول اهو الرزق واحد وبيتى هو بيت اختى مفيش فرق"

تفضل كثير من الزبائن سوق الخميس عن غيره لامكانية الفصال واستبدال البضائع المعيبة وقلة اسعاره تقول ايمان ربة منزل " هنا السوق بضاعته كثيرة من اول الملابس الداخلية حتى جهاز العرايس وكمان الاسعار مناسبة ولو حاجة فيها عيب ممكن نرجعها او نبدلها لكن اسواق تانية لا " وتضيف اسماء بائعة (17 سنة ) ان حركة الشراء تزداد فى الاعياد والمناسبات فى عيد الام مثلا الناس تشترى الملابس الحريمى اكثر وفى شم النسيم يقبل الناس على الملوحة والاسماك وهكذا كل وقت وله اذان "



فوق بضاعتها جلست ام وليد تفتح اكياسها لتعرض افضل ما لديها ويدور بينها وبين المشترى سجال حاد اما ان ينتهى بفوزها وبراعتها فى الاقناع واما ان ينتصر هو عليها ويشترى بالسعر الذى يناسبه او يترك لها البضاعة لتعود مرة اخرى " لمصمصة " شفتيها وندب حالها .. تلك العربة المتنقلة اكثر من 25 عاما لا تكل ولا تتعب وكل ما تحلم به هو فقط" كشك " يثبت قدميها فى السوق ويديم لها زبائنها ويحميها من البلطجية الذين يجبرونها على الدفع هى وغيرها دون وجه حق ...

في نهاية شارعها تجلس رفيقتها في العناء ، اسفل الشمسية هى وصغيرها تقتصر بضاعتها على ملابس الأطفال الجاهزة أو التي تخيطها بنفسها ، وبعض الحفاضات التي تختلف في الدرجات والاسعار فهذه من النوع الفاخر مغلفة يباع منها (العشرين ) ب (عشرة جنيهات) فقط أما تلك التي تتراكم فوق قطعة قماش بجانبها فبدون لصق وغير متماسكة يباع منها (الثلاثة) ب(جنيه) ،ولها طالبها أيضا . بجلبابها الأسود الفضفاض وغطاء الرأس المتدلي على كتفيها ، وكيس النقود المعلق حول عنقها وشفتيها البيضاء جلست تبيع وتفاصل وتفتح هذا وترحب بهذا ليستريح بجانبها من عناء الطريق ليقدر على استكمال المسيرة.
" أم محمد" التي لم تتجاوز الثلاثين بعد دفعتها الحاجة بعد تخرجها من كلية الحقوق وعملها بأحدى الجرائد لفترة من الوقت أن تترك وظيفتها لتنضم الى قائمة باعة " سوق الخميس" ......
مثلهم تبدأ يومها والناس نيام تأتي ببضاعتها من أسواق " عوضةوالعتبة " وتتجول بها يوميا حتى يستقر بها الحال هنا بجانب بائع البلاستيك ، تبيع وتعود بما رزقها الله التاسعة مساءا لمنزلها ، تتحمل كل ذلك لتنفق على أطفالها بعد أن تركها زوجها الذي فضلته على وظيفتها التي طالما حلمت بها .



ينتهي بك الحال في أي اتجاه تسلكه بسوق الخميس إلى الخروج من عالم السوق بزائريه ومقيميه حيث تتلاشى أصوات البيع والشرا ء والعرض والطلب بين طرفين كليهما محدود ، أما عن الطريق المستقيم الذي اضطررت للسير فيه ، ينتهي إلى بوابة خروج بالنسبة لك ودخول بالنسبة لأجرين بجوار مسجد " عرف هناك بمسجد الحاجة صفية وهي السيدة التي ساهمت في بناؤه ) يفترش أمامه سوق اصغر للأدوات المستعملة(من عدد التليفونات – وقطع غيار الأجهزة وغيرها............ ولكن لا مجال لسماع صوت
سوى صوت العربات السريعة على طريق الكورنيش الموازي لبوابة السوق والمسجد المنادي تباعيها ( باب الشعرية ...غمرة ).

3 comments:

Wael said...

اشكرك بشده

بجد انا هنام - وبدون اى ندم - من غير عشا بعد التدوينة التدوينة دى , ولو ان السطور ضيقة جدا والقراءة ليست سهلة جدا

سعيد فعلا بمرورى هنا

keep posting :)

hodazakaria said...

اشكرك على رأيك ويارب كل ما اكتبه ينال اعجابكم
واهلا بك زائر دائم لمدونتى المتواضعة

www.tadwina.com said...

مرحباً
لقد قام أحد المعجبين بمدونتك بإضافتها إلى تدوينة دوت كوم، بيت المدونات العربية.

قام فريق المحررين بمراجعة مدونتك و تصنيفها و تحرير بياناتها، حتى يتمكن زوار الموقع و محركات البحث من إيجادها و متابعتها.
يمكنك متابعة مدونتك على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com/feed/836

يمكنك متابعة باقى مدونات تدوينة دوت كوم على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com

لعمل أى تغييرات فى بيانات مدونتك أو لإقتراح مدونات أخرى لا تتردد فى الإتصال بنا من خلال الموقع.

و لكم جزيل الشكر،

فريق عمل تدوينة دوت كوم.
http://www.tadwina.com